التشبيه الضمني

  • التشبيه الضمني
    • - اشتهرت اللغة العربية بفصاحتها وجمالها وقدرتها على التعبير عمّا يجول بالنفس من أفكار وعواطف بدقة، حتى إن المتلقي ليستطيع الولوج إلى عالم المتحدث أو الكاتب بسهولة ويسر ويشاركه أفكاره ويعيش معه مشاعره.
    • - وهذا كله يعود إلى تلك الحلي التي تجمل لغتنا المتمثلة بالبلاغة بما ينطوي تحتها من علم المعاني وعلم البديع وعلم البيان بما يحويه من استعارة وتشبيه ومجاز وكناية مما يزيد المعاني رفعة ووضوحاً ويكسبها جمالًا.
    • - ويضفي على العواطف سحراً لتخترق به القلوب، وقد يأتي الجمال محمالً بالدليل الذي يدعم الفكرة كما في التشبيه الضمني.
    • - يعرف التشبيه الضمني بأنه: هو التشبيه الذي لا نجد فيه المشبه والمشبه به بالصورة المعتادة بل نلمحهما، ونفهمهما من المعنى.
    • - الغرض من التشبيه الضمني فيتمثل في:
    • - الميل إلى الابتكار والإبداع ألن فيه خروجاً عن التشبيه المألوف، والتفنن في أساليب التعبير.
    • - الرغبة في إخفاء التشبيه لزيادة جماله ألن التشبيه كل ما خفي ودقّ كان أجمل وأمتع لدى المتلقي وأبلغ في النفس.
    • - إقامة البرهان على صحة الحكم المراد إسناده إلى المشبه.
    • - ولا يظن بعض الدارسين أن التشبيه الضمني قسيم التشبيه التمثيلي بمعنى أن أحدهما يقابل الآخر فيظنون أن التشبيه إما أن يكون ضمنياً أو تمثيلياً وهذا غير صحيح لأن التشبيه يحكم عليه بأنه تمثيلي أو مفرد بالنظر إلى وجه الشبه هل هو صورة منتزعة من متعدد أم مفرد
    • - ويحكم على التشبيه الضمني بأنه ضمني أو صريح بالنظر إلى الطريقة التي يعبر بها عن التشبيه أهي صريحة مباشرة أم غير مباشرة وسيلتها التلميح
    • ومن الأمثلة على التشبيه الضمني: 
    • قول البحتري:
    • - ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم 
    •     وللسيف حد حين يسطو ورونق 
    • - فالبحتري يشبه ممدوحه حين يلقى الأعداء ويضاربهم (قوله "الأبطال" من باب السخرية والتهكم) وهو ضاحك لا يهمه شيء، مما يفزع هؤلاء ويبث الرعب في قلوبهم كمثل السيف الذي حين يستخدمه فارسه له رونق وفتك.
    • - وهذا ليس تشبيها صريحاً فالبحتري لم يقل إن حال الممدوح يضحك في غير مبالاة عند ملاقاة الشجعان ويفزعهم ببأسه وسطوته تشبه حال السيف عند الضرب له رونق وفتك، ولكنه أتى بذلك ضمنا، لباعث من البواعث السابقة.
    • قول أبي فراس الحمداني:
    • - سيذكرني قومي إذا جد جدهم
    •  وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
    • - فهوهنا يريد أن يقول: إن قومي الذين أهملوني وتركوني في الأسر كأنهم قد نسوني سيذكروني عندما يجد الجد وعند اشتداد الخطوب والأهوال عليهم ويطلبون القائد الشجاع العظيم مثل أبي فراس فلا يجدونه. 
    • - ولا عجب فحالي مثل حال البدر ينساه الناس في الليالي المقمرة ويبحثون عنه في الليالي السوداء المظلمة ويتمنون طلوعه!
    • - فالشاعر هنا لم يأت بذكر صريح لحاله وحال قومه، بل جاء بدليل وبرهان ضمّن خلاله حاله وحال قومه، بالتالي هو تشبيه ضمني لم يتم التصريح بطرفيه بل يفهمان من السياق.
    • - قول ابن الرومي:
    • - قد يشيب الفتى وليس عجبا
    •  أن يُرى النور في القضيب الرطيب 
    • - فيوضح ابن الرومي هاهنا أن الشاب قد يعتريه الشيب في رأسه قبل المشيب، وليس هذا بعجب لديه فالغص الندي الأخضر قد يظهر فيه الزهر قبل أوانه. 
    • - فالأسلوب الذي اتبعه ابن الرومي في التعبير عن فكرته يتضمن تشبيهاً غير مصرح به، فإنه لم يقل مثلاً: إن الفتى الذي شاب مبكراً كالغصن الغض الرطيب وقد أزهر قبل أوانه، ولكنه أتى بالتشبيه ضمناً، وذلك لإفادة أن الحكم الذي أُسند للمشبه أمر ممكن الوقوع.
    • - قول أبي تمام:
    • -  لا تنكري عطل الكريم من الغنى
    •     فالسيل حرب للمكان العالي
    • - يريد أبو تمام أن يقول لمن يخاطبها: لا تنكري خلو الرجل الكريم من الغنى، فإن ذلك ليس غريبا؛ لأن قمم الجبال والمرتفعات وهي أعلى الأماكن وأشرفها لا تستقر عليها المياه الهاطلة من السحب غزيرة الماء لأنها تنحدر للأسفل، فكذلك لا تستنكري خلو الرجل الكريم من الغنى لأم المال لا يستقر في يده بل ينحدر إلى غيره كرماً وعطاءً.
    • - الشاعر لم يقل ذلك صراحة، وإنما أتى بجملة مستقلة وضمنها هذا المعنى في صورة برهان على إمكان وقوع ما أسنده للمشبه، فالكلام يوحي بتشبيه ضمني، ولو صرح به لقال مثلاً: إن الرجل الكريم المحروم الغني يشبه قمة الجبل وقد خلت من ماء السيل.
    • -  قال المتنبي:
    • - وما أن منهم بالعيش فيهم    ولكن معدن الذهب الرغام 
    • - فالشاعر يشبه حاله وهو لا يعد نفسه من أهل دهره وإن عاش بينهم، كحال الذهب يختلط بالتراب، مع أنه ليس من جنسه.
    • -  وقال أيضاً:
    • - ومن الخير بطء سيبك عني
    •   أسرع السحب في المسير الجهام ُ
    • - السيب: العطاء، والجهام: السحاب لا ماء فيه.
    • - فالشاعر يشبه حال تأخر وصول العطاء إليه بحال السحب التي تبطئ في السير ويكون ذلك دليلا على غزارة مائها.
    • - قال أبو العتاهية:
    • - ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
    •    إن السفينة لا تجري على اليبس
    • - فالشاعر يرى حال من يرجو النجاة من عذاب الآخرة ولا يسلك مسالك النجاة، بأنه كحال السفينة التي تحاول الجري على الأرض اليابسة.
    • - وقال ابن الرومي:
    • - ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت
    •    وقع السهام ونزعهن أليم
    • - الشاعر يشبه نظرات محبوبته بحال السهام.. فهي إن نظرت آلمته وإن أعرضت عنه ولم تعره اهتماماً كحال السهام حين تغرس في الجسم فهي مؤلمة وإن نزعت فلها ألمها!
    • - ولم يصرح الشاعر بذلك إنما أتى بصورة مشابهة لما يشعر به وقرنها بنظرات محبوبته.
    • - قول الشاعر:
    • - وأَصبحَ شعْري منْهُ ما في مَكانِه
    •    وفي عُنقِ الحسنَاءِ يُستَحسَنُ العِقدُ 
    • - أي أن شعره ازداد جمالاً وبهاءً عندما مدح الأمير وأباه كحال العقد الثمين الذي يزداد جمالاً في عنق الحسناء. 
    • - قول الشاعر:
    • - كَرمٌ تبينَ في كلامك ماثلاً
    •   ويبينُ عِتق الخيلِ من أصواتِها 
    • - يشبه الشاعر كرم أصل ممدوحه الذي بان من خلال صوته كحال الخيل الأصيلة التي تُعرف أصالتها من أصواتها
    • - قول الشاعر:
    • - لا يُعجِبَنَّ مَضيماً حُسن بِزّته
    •   وهلْ يروقُ دفيناً جودة الكَفَنِ
    • - يشبه حال الإنسان المظلوم وهولا يهتم بالملابس لأنها لن ترد له كرامته بحال الميت الذي لا ينفعه جودة كفنه بل ما ينفعه هو عمله.
    • - ليس الحجابُ بمقصٍ عنك لي
    •   إن السماء ترجى حين تحتجب 
    • - شبه احتجاب الممدوح وعطاءه عن الشاعر وعدم انقطاع أمل الشاعر من ذاك العطاء بل عزز في نفسه الأمل بزيادة في العطاء بحال السماء حين تحتجب عن الرؤية بسبب تلبد الغيوم فيها، فعندها ينتظر الناس المطر الغزير.
    • - قال البحتري في وصف أخلاق ممدوحه:
    • - وقد زادهـا إفراط حسـن جــوارهـا
    •    خلائقَ أصفارِ من المجدِ خُيَّبِ
    • - وحسن دراريءِ الكواكب أن تُرى
    •    طوالعَ في داجٍ من الليل غيْهبِ
    • - يشبه البحتري أخلاق ممدوحه تزداد حسناً في نظر الإنسان لوجودها في جوار أخلاق وضيعة لأقوام لا فضل فيهم ولا مجد لهم، بحال الكواكب العِظام تزداد تلألؤاً في الليل البهيم..
    • - وقال أبو الطيب:
    • - فإن تفق الأنام وأنت منهم
    •  فإن المسك بعض دم الغزال 
    • - يشبه المتنبي حال ممدوحه وقد فاق الناس فضلاً وشرفاً ومكانةً مع أنه منهم بحال المسك الذي فاق دم الغزال وهو منه.
    • - وقال:
    • - أعانـك الله من سهامــهم
    •  ومخطئ من رميُّــه القمـرُ 
    • - يرى المتنبي أن ممدوحه قد تولى الله حفظه ورَفَع منزلته فلم تصل إليه سهام أعاديه، مثل القمر يخطئ كل من أراد أن يرميه بسهم، وذلك لأنه أرفع محلاً من أن يبلغه سهم راميه.
    • - وقال:
    • - أعيا زوالك عن محلٍّ نلتَه
    • لا تخرجُ الأقمارُ عن هالاتها
    • - يشبه حال ممدوحه وقد تعذر انتقاله عن المنزلة السامية التي اكتسبها بجِده، مثل الأقمار قهي لا تخرج عن هالاتها.
    • - وقال: 
    • - ليس بالمنكر أن برزتَ سبقاً
    • غير مدفوع عن السبقِ العِرابُ
    • - لايعجب الشاعرُ من الممدوح أن يسبق الناس جميعاً في سبيل المجد والشرف، فإنه كالجواد العربي الكريم فإنه لا يجاريه غيره من أنواع الجياد.
    • -  قال أبو تمام:
    • - اصبر على مضض الحسو
    •  د فـــإن صبرك قاتلهْ 
    • - النــــار تأكــــل بعـــــضها
    •    إن لم تجد ما تأكلــــهْ
    • - يشبه حال الحسود في موته كمداً بسبب صبرك عنه وقلة جزعك لما ينالك من أذاه، مثل النار يأكل بعضها بعضاً إذا لم تجد وقوداً
    • - قال أبو تمام في رثاء طفلين لعبد الله بن طاهر:
    • - لهفي على تلك الشواهد منهما
    • لو أُمهلَتْ حتى تكونَ شمائلا
    • - إن الهــلالَ إذا رأيــت نمُـــوَّه
    • - أيقنتَ أن سيَصيرُ بدراَ كاملا
    • - فقد شبه الشاعر حال دلائل الفضل والنبل التي بدت في الطفلين وما كان يقدر لها من النمو والتحول إلى طباع راسخة وأخلاق قوية لو أن الدهر أبقى عليها، بحال الهلال يبدو صغيراً فيراه الرائي فيوقن أن سيتم ويصير بدراً كاملاً.
    • - وأخيراً: إن كان لديك أي اقتراح أو ملاحظة أو إضافة أو تصحيح خطأ على المقال يرجى التواصل معنا عبر الإيميل التالي: Info@Methaal.com
      لا تنس عزيزي القارئ مشاركة المقال على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.
      ودمتم بكل خير.


Flag Counter