علاقات المجاز المرسل

  • علاقات المجاز المرسل
    • - المجاز المرسل: لفظة استعملت في غير معناها الأصلي لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي. وسمي مجازاً مرسلاً لأن العلاقة فيه ليست محصورة في واحدة بعينها، وإنما أطلقت وأرسلت، وأصبحت تشمل أكثر من جهة بيانية.
    • -  أهم علاقات المجاز المرسل:


    • - العلاقات في المجاز المرسل كثيرة، ذكر الخطيب القزويني منها ثماني علاقات، وذكر ابن الأثير عن أبي حامد الغزالي أربع عشرة علاقة، وأوصلها السيوطي إلى حوالي عشرين علاقة، وبلغت عند الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ستة وعشرين علاقة رئيسة، ثم ألحق بالعلاقة الأخيرة خمس علاقات رأي أنها تشبهها، فتصير جملة العلاقات عنده إحدى وثلاثين علاقة.
    • 1- السببية (استعمال السبب للدلالة على النتيجة)


    • - وهي تسمية الشيء باسم سببه، كقولنا: رعي الجوادُ الغيثَ، لفظة الغيث ليست على حقيقتها لأن الجواد لا يرعى الغيث، إنما يرعى العشب الذي كان الغيث سبباً في إنباته، فالغيث مجاز، ذكره وأراد العشب، ولما ذكر السبب فالعلاقة سببية.
    • - والقرينة التي منعت إرادة المعنى الحقيقي هي لفظة رعی.
    • - ومن أمثلة ذلك:
    • - قرأت العقاد، أي مؤلفاته.
    • - درست شكسبير، أي مسرحياته.
    • - فهنا ذكر اللفظ الخاص بالسبب وأريد الأثر الناتج عنه.
    • - وقد كثرت هذه العلاقة في الشعر، فمن ذلك قول عمرو بن كلثوم:
    • -  ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
    • - فالجهل الأول حقيقة، والثاني مجاز مرسل علاقته السبية، أطلق للرد على الجهل الأول، ويجوز فيه أن يكون مشاكلة، أي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته.
    • - ومن ذلك قول السموأل:
    • - تسيل على حد الظبات نفوسنا
    • - وليست على حد الظبات تسيل
    • - فوجود النفس سبب للدم الذي يسيل على رأس الرمح.
    •  2- المسببية (استعمال النتيجة للدلالة على السبب)


    • - ويقصد بهذه العلاقة تسمية الشيء باسم نتيجته، أو ما يتسبب عنه، فيستعملون اللفظ الدال على المسبب أي النتيجة، ويريدون السبب، مثال ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ )
    • - يلاحظ أن لفظة (ناراً) في علاقة انحرافية مع الفعل (يأكلون)، إذ إن هذا الفعل يتطلب مفعولاً خاصاً يتلاءم مع طبيعته، بينما (نار) لا تؤكل. وهكذا فالأصل أن توجدَ لفظة (الأموال المحرمة)، لكن حلت محلها لفظة (نارا)، وبما أنه ذكر (ناراً) والتي هي نتيجة ومسببة عن أكل الأموال المحرمة فالعلاقة إذن مسببية.
    • - ومن ذلك قوله تعالى: ( قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا)
    • - هل قصد لباساً بمعناه الحقيقي؟ لا. إنما أراد أنه أنزل عليكم مطراً يتسبب عنه الرزق واللباس.
    • -  أنزل  -مطراً   - لباساً  
    • - السبب  - المسبب والنتيجة
    • - ذكر المسبب في الجملة فالعلاقة مسببية
    • - ومثلها قوله تعالى: ( وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ )
    • -  فالرزق لا ينزل من السماء، وإنما الذي ينزل هو الغيث الذي يروي الأرض ويسبب الرزق.
    • 3- الكلية


    • - يقصد بالعلاقة الكلية تسمية الشيء باسم كله، بحيث يستعمل اللفظ الدال على
    • - الكل ويراد جزء منه.
    • - مثال ذلك قولنا: «شربت ماء زمزم» نلاحظ أن استعمال ماء زمزم لا يؤخذ على حقيقته في الكلام، إذ إن الشرب لا يمكن أن يكون لكل ماء زمزم، فقد استعمل ماء زمزم، والمقصود هو جزء صغير من ماء زمزم، فانتقلت دلالة ماء زمزم من معناها الحقيقي الذي هو كل ما تحوي البئر من ماء إلى معنى مجازي، وهو كمية قليلة من هذا الماء.
    • - ذكر اللفظة الدالة على الكل وأراد الجزء، فالعلاقة كلية.
    • - ومن أمثلة ذلك: أكلت تفاح لبنان، وشربت ماء النيل، وانتشر الجيش في شوارع المدينة للحفاظ على الأمن، وتمكنت الشرطة من ضبط المسروقات، وسكنت مصر، وقطعت السارق.
    • - فالتقدير: بعض تفاح لبنان، وبعض ماء النيل، وبعض الجيش، وبعض الشرطة، ومنزلاً في مصر، ويد السارق.
    • - وقوله: أنا متألم، عندما يكون إصبع رجله متقرحاً. وقوله: تحطمت السيارة، عندما تتعطل البطارية
    • - فليس كله متألم إنما إصبعه، وليست كل السيارة متحطمة.
    • - ومن ذلك قوله تعالى على لسان سيدنا نوح: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)
    • -  فكلمة أصابعهم مجاز؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يجعل إصبعه كله في أذنه، والمقصود أناملهم بدليل قوله تعالى: (في آذانهم)، والإصبع كل، فالعلاقة كلية.
    •  4- الجزئية


    • - وهو تسمية الشيء باسم جزئه، بحيث يستعمل اللفظ الدال على جزء الشيء.
    • - ومن ذلك: أرسلنا العيون لمراقبة الحدود. إن استخدام كلمة العيون هنا لا ينحصر ضمن المدلول الاصطلاحي؛ وذلك لأن المرسلة ليست العيون. لقد قامت هذه الكلمة مقام كلمة (الجواسيس)، وانزلقت هنا كلمة (الجواسيس) التي تجعل هناك انسجاما في المعنى لتقوم مقامها كلمة (العيون)، وهذه اللفظة الأخيرة قادرة على نقل الدلالة إلى مفهوم الجواسيس.
    • - ومن أمثلة ذلك قول معن بن أوس المزني في ابن أخته:
    • - أعلمه الرماية كل يـوم
    • - فلما اشتد ساعده رماني
    • -  وكم علمته نظم القوافي
    • - فلما قال قافية هجاني
    • - القوافي مجاز مرسل علاقته الجزئية، لأن معن بن أوس إنما علم ابن أخته نظم القصائد كلها لا القوافي وحدها، ولأن ابن أخته قال على الأقل قصيدة كاملة لا قافية واحدة.
    • - ومنه قوله تعالى: ( قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً )، أي صل في الليل؛ لأن القيام بعض الصلاة.
    • - وقوله تعالى: (ومِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) ، أطلق كلا من الركوع والسجود على الصلاة، وهو بعضها، أراد الصلاة كاملة لا الركوع والسجود فقط.
    • - وقوله تعالى: (ومن قتل مؤمناً خطأً تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلَّمة إلى أهله إلا أن يصدقوا)، فالرقبة وحدها لا تحرر، وإنما الذي يحرر الذات، فأطلق الجزء وهو الرقبة، وأراد الكل وهو العبد.
    •  5-المحلية (وهي تسمية الشيء باسم محله)


    • -  ومن أمثلة ذلك: حكمت المحكمة بإدانة المتهم، فالمحكمة مجاز، والمقصود القضاة، لأن البناء لا يحكم، وبما أن المحكمة محل للحكام، فالعلاقة محلية.
    • - ويظهر هنا الانتقال من المحكمة إلى القضاة، وانتقال الدلالة من المحكمة إلى القضاة ليس من خلال علاقة المشابهة، فلا يوجد نقاط شبه بين الاثنين، وإنما المحكمة هي الحاوي، والقضاة هم المحتوى.
    • - وقد حلت مجازاً لفظة مقام أخرى.
    • - تألمت عمان للحادث الموجع
    • - أعلن المغرب أنه سيشارك في القمة العربية القادمة.
    • - ومن ذلك قول الرسول ﷺ:  ((لَا تَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا)).
    • - الركوب إنما هو للسفينة الحالّة في البحر، فقد أطلق لفظ المحل، وأُريد الحال.
    • 6- الحالّيّة


    • - ويقصد بها النسبة إلى الفاعل، أي من حلّ بالمكان، فهو حالّ أي نازل ومقيم، فهذه العلاقة تتحقق بإطلاق اسم الحالّ في المكان على محله.
    • -  مثال ذلك: نزلت بالقوم فأكرموني، فكلمة قوم مجاز بدليل الفعل نزلت الذي يتعدى أصلا إلى اسم يدل على المكان.
    • -  والمقصود بدار يحل فيها قوم کرام، وبما أننا ذكرنا قوم وهم الحالّين، فالعلاقة حالية.
    • - ومن أمثلة ذلك: جئت القاهرة ونزلت فيها بصديقي محمد، أقصد بدار صديقي محمد، فصديقي محمد مجاز مرسل علاقته الحالية، لأن صديقي محمد حالّ بداره، وقد حللت فيها معه. والقرينة كلمة (نزلت)، لأن حقيقة النزول لا تُتَصور بالصديق، بل بالدار.
    • - ومنه قولهم: جف الماء، وجف الدمع، أي: منبع الماء، وموضع الدمع.
    • - ومن ذلك قول المتنبي في ذم کافور:
    • - إلي نزلت بكذابين ضيفهم
    • - عن القِرى وعنِ الترحال محدود
    • - فالمجاز في لفظة (كذابين) والمراد بها أرض يقطنها كذابون.
    • -  ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، أي في الجنة، لأنها محل الرحمة، سميت الجنة محل الرحمة باسم الحالّ فيها.
    • - وقوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)، أي المكان الذي فيه النعيم، وهو الجنة.
    • - وقد اجتمعت العلاقة الحالية والمحلية في الآية الكريمة: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )، أي خذوا ثيابكم الجميلة، في (زينتكم) مجاز مرسل علاقته الحالّيّة لأن الزينة حالّة في الثياب، وبادية من خلالها، والقرينة (خذوا)، فالزينة وهي أمر معنوي لا تؤخذ حقيقة
    • - وليس المقصود المسجد نفسه، إنما المراد بالمسجد الصلاة، فأطلق اسم المحل على الحالّ، وفي الزينة بالعكس.
    • 7- المجاورة


    • - أي التعبير بالمجاور عما جاوره، وذلك حين يكون المعنى الحقيقي للكلمة المذكورة في العبارة مجاورة للمعنى المجازي لها.
    • - ومن أمثلة ذلك إطلاق الراوية على القربة في قولهم: «شربت من الراوية». الراوية ما يستقى عليه من بعير وغيره، والمزادة: سقاء الماء الذي يوضع عليها، فالأصل أن يقال: شربت من المزادة التي على الراوية، لكن استخدمت لفظة الراوية بدلاً من المزادة، والعلاقة بين المزادة والراوية هي مجاورة، والقرينة كلمة «شربت»..
    • - وقد مثلوا كذلك لعلاقة المجاورة بالتعبير باللفظ عن المعنى، وبالتعبير بالمعنى عن اللفظ: تقول: قرأت المعنى، تريد اللفظ، وفهمت اللفظ، أي المعنى.
    • - ومن ذلك إطلاق الثياب على الجسم في قول عنترة
    • - کمَّشت بالرمح الطويل ثيابه
    • - ليس الكريم على القنا بمحرم
    • - أي كمشت بالرمح الأصم جسمه، والقرينة (كمشت)، لأن الكمش -وهو هنا الطعن - لا يكون في الثياب، بل في الأجسام. ويجوز أن العلاقة محلية، إذ الثياب محل لابسها.
    • 8- اعتبار ما كان (الماضوية)


    • - وهي تسمية الشيء باعتبار أصله، ونسبته إلى الماضي، أي ما كان عليه الشيء في الماضي، ويراد ما هو عليه في الحاضر، فالحقيقة هي دلالة الكلمة على الحاضر، فإن دلت على ما هو غير الماضي فهذا مجاز.
    • - ومثال ذلك: ومن الناس من يأكل القمح، ومنهم من يأكل الذرة، ومنهم من يأكل الشعير.
    • - إن استعمال ألفاظ القمح والذرة والشعير استعمال مجازي؛ لأن الأكل في الواقع يكون للخبز، لا للقمح والذرة والشعير، فلم تُذكر لفظة (خبز) المقصودة بالتعبير وحلت محلها لفظة القمح والذرة والشعير،
    • - والعلاقة بينها فتعود إلى أن القمح هو حالة الخبز في الماضي، أي قبل أن يصبح خبزاً، وهكذا استعمل الماضي (اعتبار ما کان) للدلالة على الحاضر.
    • - ومن أمثلة ذلك: يشرب الناس البن، أي القهوة التي كانت بناً، ونلبس في الشتاء صوفة، وفي الصيف قطنة. ففي (صوف) و (قطن) مجاز مرسل علاقته اعتبار ما کان، والقرينة (نلبس)، فالصوف الخام، والقطن الخام لا يلبسان حقيقة.
    • - وقول الله تعالى: (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ) فكلمة مجرما مجاز مرسل؛ لأن الإنسان لا يأتي للحساب مجرماً، وإنما قُصد بها (إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا).
    • - قول الله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)، فإنهن إذا مِتنَ لم يكنَّ أزواجاً فسماهن بذلك، لأنهن كنَّ أزواجاً
    • 9- اعتبار ما سيكون (المستقبلية)


    • - وهي تسمية الشيء باعتبار ما سيؤول إليه، أي ما سيكون عليه الشيء في المستقبل.
    • - مثال ذلك: «سأوقد ناراً».
    • - فلفظة نار في سياق النص ليست حقيقية؛ وذلك لأن النار لا تُوقَد وإنما الحطب هو الذي يوقد. فقد لفظة نار في الجملة محل لفظة حطب. فبدل أن نستعمل لفظة «حطب» للدلالة على الوضع الحالي الذي نستنتجه من لفظة أوقد استعملت لفظة «ناراً» على اعتبار أن الحطب بعد إيقاده سیکون ناراً.
    • - وبذلك حلت اللفظة الدالة على حالة مستقبلية، محل اللفظة الدالة على الحالة الحاضرة.
    • - يتخرج في المدرسة رجال نافعون، فكلمة (نافعون) مجاز، والقصد سیکونون نافعين في المستقبل.
    • - غرست اليوم شجراً، وأنا أعني بذوراً، وطحنت خبزاً، أي قمحاً.
    • - ومن الأمثلة في الحديث النبوي الشريف قوله «من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه».
    • - فالشهيد إنما يكون شهيدا بمفارقة الحياة، فلا يكون قادراً على المشي على وجه الأرض بسبب من أسباب الشهادة. وهذه نبوءة من نبوءات النبي ﷺ فقد أخبرَ بغيب أطلعه الله عليه فإطلاق لفظ (شهيد) على طلحة رضوان الله عليه وهو حي، مجاز مرسل علاقته اعتبار ما سيكون.
    • - ومنها في القرآن الكريم قوله تعالى على لسان سيدنا نوح: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)، أي صائر إلى الكفر والفجور.
    • - وأخيراً: إن كان لديك أي اقتراح أو ملاحظة أو إضافة أو تصحيح خطأ على المقال يرجى التواصل معنا عبر الإيميل التالي: Info@Methaal.com
      لا تنس عزيزي القارئ مشاركة المقال على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.
      ودمتم بكل خير.


Flag Counter